top of page

لو كنا نقرأ

بقلم الاستاذ المستشار: مكي عيسى أحمد عباس ( أحد مستشارين وخبراءECS ومدرب معتمد لتقديم برنامج CIPS)



هذا هو عنوان أحد الكتب لواحد من طلبتي من سلطنة عمان، حيث كنت متواجداً في السلطنة كعادتي لتقديم دورات في إدارة المشتريات وسلاسل الإمداد (برنامج CIPS من المعهد البريطاني القانوني للمشتريات وسلاسل الإمداد). كان ذلك في الربع الأول من سنة 2019م، وكالعادة في الحصة الأولى مع بداية أي دورة، ومن أجل كسر الجليد، أطلب من المشاركين الوقوف أمام أخواتهم واخوانهم المشاركين في الدورة، سواءً كانوا من شركة واحدة أو من شركات مختلفة، للتعريف بأنفسهم، وهذا يمنحني أيضًا في ذات الوقت الفرصة بأن أتعرف على خبراتهم ومؤهلاتهم وطبيعة عملهم ومسمياتهم الوظيفية.


جاء دور أحد المشاركين في تلك الدورة حيث عرف نفسه باسمه ومؤهلاته الأكاديمية ومسماه الوظيفي وطبيعة عمله وانصرف كما انصرف من سبقوه. بعد انصرافه مباشرة، رفع أحد زملائه يده وهو من الذين التحقوا بالدورة من نفس الشركة، وقال أستاذ مكي: هذا لم يُعِّرفْ نفسه بالكامل كما ينبغي! قلت له: كيف؟ قال: لم يذكر بأنه كاتب ومؤلف لمجموعة من الكتب، قلت: صحيح؟ إذًا إرجع مرة ثانية وأخبرنا عن هذه المعلومة التي أبيت أن تبوح لنا بها. رجع مرة ثانية وبشكل متواضع وأخبرنا بها على استحياء وبكل هدوء بما لم يبح به لنا في بداية تعريفه بنفسه.


نعم، ذلك هو الطالب والموظف الهادئ المتعطش لقراءة الكتب والقارئ النهم الذي يكاد الكتاب لا يفارقه ولا يفارق هو الكتاب أينما حل وارتحل.


ذلك هو أحد طلبتي الذين أفتخر بهم وأكن لهم كل الاحترام والتقدير، هو الأستاذ نعيم الفارسي، المكنى بأبي نور، من مواليد عام 1982م بولاية شناص - سلطنة عمان، حاصل على بكالوريوس إدارة عام 2005م من جامعة السلطان قابوس ويحضر حاليًا لشهادة الماجستير.


كنت أُقَدِّمُ دورة تُعْنَى بإدارة المخزون واللوجستيات لموظفي المخازن في الشركة التي يعمل بها الأستاذ نعيم الفارسي حيث أقيمت تلك الدورة في ولاية صحار، وهي لا تبعد كثيراً عن بيته، وعندما علم بذلك دعاني لبيته على وجبة عشاء حيث أخذت عليه العهود والمواثيق بأن لا يزاحم نفسه ولا يربك أم نور بخصوص الإعداد لوجبة العشاء وما يتبعها من ملحقات، ولكن طبيعة العمانيين - والكرم العماني المعروفين به - أبى إلا أن يكرمني بتلك الوجبة التي تكفي لأكثر من عشرة أشخاص، ولكنني حقيقةً اكتفيت بلقمة واحدة حفاظاً على ما ألزمت نفسي بما قلت له من البداية بأنني سأكتفي بكوب من القهوة والتمر (السح) العماني. وكان غرضي من الزيارة كما اتفقنا بأن ألقي نظرة على مكتبته العامرة بمختلف الكتب والتي لم يكن بوسعي أن أحصي عددها. كما لفت نظري الأثاث الذي تحتويه تلك المكتبة والجو المريح وكل المستلزمات التي تمكنه من قضاء جل وقته بها من أجل القراءة والاطلاع والكتابة.


ليس هذا فحسب، فأخونا أبو نور لديه روزنامة بها مواعيد معارض الكتب التي تقام سنوياً ليس في السلطنة فحسب وإنما في معظم دول مجلس التعاون، وكونهم يسكنون في الجزء الشمالي الغربي المحاذي لدولة الإمارات العربية المتحدة فهو يواظب على حضور تلك المعارض ليقتني الكتب التي خطط لها وبحسب الميزانية السنوية الموضوعة لذلك. وعندما زرته في بيته العامر عرفني على أم نور وعلى الأولاد وقلت له مازحًا وأنا أغمز له: أتصور لئن دمت على هذه الحالة فإن أم نور تكاد تكون منسية من قبلكم، وكأن الكتاب أخذك بعيداً عنها. تصورت أنها ستكون معي وستثور ثائرتها، لكن لم أتصور ردها الذي كان كالبلسم على قلب أبي نور، قلت له: هنيئًا لكما هذا التفاهم وهذه الروح الطيبة قال: لولا أم نور لما استطعت أن أواظب على القراءة بشكل يومي ولم أستطع أن أُؤَلِفْ هذه الكتب. وأضاف: نعم كنت قارئ وقارئ فقط لكن هي من دفعتني للكتابة وأصرت على ذلك. قلت له: صدق القائل: "وراء كل رجل عظيم امرأة".


في مقدمة كتابه الذي يحمل عنوان مقالتنا، يشكر أبو نور زوجته حيث يقول: "... شكر خاص جداً لزوجتي العزيزة نوال الشيدي، والتي هيأت لي كل سبل الراحة، وتحملت انعكافي الطويل في غرفة القراءة، وابتعادي عن أولادي، وذلك لأتفرغ لإنجاز الكتاب، بل كانت كثيراً ما تفاجئني بدخولها غرفة القراءة وإحضار الشاي والمأكولات والعصائر لأزداد نشاطاً في كتابة الكتاب، ولولا مساندتها – بعد توفيق الله – لربما تأخر صدور الكتاب كثيراً. شكراً من أعماق القلب يا أم نور".


كتاب (لو كُنّا نقرأ) هو مقالات وقصص وخواطر ومقولات وحوارات تدور حول القراءة، والقارئ، والكتابة، والكِتاب، والكاتب. مواضيع جمعها الكاتب من خلال قراءاته للكتب والصحف وغيرها، فقد كان يحتفظ بأي موضوع قرأه ووجد أنّ له علاقة بالقراءة أو إحدى مشتقاتها، ومع مرور الوقت تجمّع لديه عدد لا بأس به من هذه المواضيع، فوضعها في هذا الكتاب الذي يحمل عنوان مقالتنا. وقد جعل هذا الكتاب منوعاً، لكيلا يشعر قارئه بالملل وهو يقرأه، فهو ينقلك فيه من حوار إلى قصة، إلى مقولة، إلى خاطرة، إلى نقاش، إلى مقالة.


في هذا السياق سأقتبس أحد المواضيع من بين دفتي هذا الكتاب يحمل عنوان "لولا الكتب!!".


يقول الكاتب: "من أجمل ما قرأت عن أهمية القراءة، ما قاله د. مصطفى محمود: "أنت بحاجة إلى قراءة الفلسفة، والشعر، والقصص. أنت في حاجة إلى فتح ذهنك على الشرق والغرب؛ ليحصل الذهن على التهوية الضرورية فلا يتعفن. وستفهم نفسك من خلال الناس الذين تقرأ لهم، وإذا فهمت نفسك ، فقد وضعت قدمك على بداية الطريق، وعرفت أين يكون المسير".


يقول الكاتب: "في رحلتي المضنية لفهم نفسي، قرأت العديد من الكتب في معارف وفنون شتى:كتباً سياسية، وأخرى فكرية، قصصاً وروايات، كتباً دينية وتاريخية، وغيرها.كنت بعد فراغي من كل كتاب أقطع مسافة ما تجاه نفسي، للدرجة التي تجعلني أشعر بأنني عثرت على كنز."


"يقول أحد الممسوسين بحب القراءة": "صداقة الكتب أفضل من صداقة الناس، فهي لا تتكلم إلا عندما نريد نحن، وتسكت عندما يكون هناك ما يشغلنا. إنها تعطي دائماً ولا تطلب أبداً." ويضيف الكاتب: "وكأن هذا الرجل الذي نطق بهذه العبارة دخل في أعماقي فعبر عني خير تعبير. إذ أن قضاء وقت مع الكتاب أفضل بكثير من الدخول في مهاترات مع هذا، أو مجادلات عقيمة مع ذاك. ففي الكتب عصارة فكر البشر وهي تقدم للقراء حكمة الكُتَّاب وتجاربهم في الحياة.


هناك كتب لا تكتفي بتغذية عقلك بالأفكار والرؤى، بل تتغلغل إلى داخل روحك وتجبرك بعد الانتهاء من قراءتها على الذهاب مباشرة إلى القلم، أو إلى لوحة مفاتيح الكمبيوتر، لتخبر الجميع بحبك لما قرأت."


"يقول الفيلسوف الألماني (شوبنهاور): "لا يعز عليّ سوى ترك مكتبتي الخاصة، فلولا الكتب في هذه الدنيا، لوقعت منذ زمن طويل فريسة لليأس". ويعلق أبو نور على ذلك بقوله: "وصدق، فهل هناك أجدر من كتاب جيد ليعيد لنا الأمل في الحياة؟!"






مكي عيسى أحمد عباس


البحرين


14 يونيو 2022م

مشاهدة واحدة (١)٠ تعليق

أحدث منشورات

عرض الكل

Comments


bottom of page